جان لوئيس بوركهارت
191
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
بيوميتى في يدي ، وقد وجدت تدوين المذكرات بالصحراء أيسر لي من تدوينها وأنا ببربر ، وكنت أسوق حماري القوى حثيثا فاسبق القافلة ثم أنزل عنه وأجلس إلى شجرة أو صخرة وأظل تحتها غير ملحوظ ، لا يبدو على إلا أنني أدخن قصبتى ، حتى تلحق بي القافلة . أما في بربر وشندى فكنت أحار في طريقة أعتزل بها أصحابي الذين نزلت الدار وإياهم ، وكان في انطلاقى إلى الحقول البعيدة تعرض للخطر ولفت للنظر . وشر ما ابتليت به أثناء مقامي في هذه البلاد ملازمة الناس لي على هذا النحو ، ولعلى كنت أستطيع أن أنجو من هذا البلاء بعض النجاة لو اتخذت لنفسي مسكنا خاصا ، وكان ذلك أحبّ إلى وأشهى لولا أن مقامي في بيت غريب كان يحرمنى من كل حماية - وقد يكون هذا الغريب شرا من رفاقى - ولولا ما كنت أستهدف له من ثقل الزوار يرهقوننى سحابة يومى بطلب الهدايا ، ولولا ما كان يتعرض له متاعي القليل من السرقة . وعلى نقيض ذلك كان شخصي أقل لفتا للنظر وأنا أقيم مع أصحابي الدراويين ، وكانت نفقتي أخف ، واستطعت بفضل مقامي بينهم أن ألم بأساليب التجارة ، وأمنت على نفسي بعض الأمن لمكانة هؤلاء الرفاق وجاههم برغم قلة حدبهم علىّ أو ميلهم إلى حمايتى . ويؤثر التجار النزول ببيت وجيه من وجوه القوم ، أو بيت قريب من أقرباء المك إذا تيسر ، لأنهم يكونون إذ ذاك في حمى رب البيت ، وهو لن يرضى بأن توجه لضيوفه إساءة أو إهانة ذات بال . أما أدلاؤنا العبابدة فقد نزلوا ببيت فقير من الفقراء رقيق الحال ، وكانوا في مأمن من لجاجة الميرفاب وإهاناتهم ، لذلك توفر لهم في مسكنهم هذا من أسباب الراحة والحرية ما لم نظفر به نحن . وألزمنى أصحابي بدفع ريالين كانا حصتى فيما دفعوه لرب البيت ، كذلك دفعت لهم ريالا هو نصيبي في الهدايا التي قدموها لمن بعثوا لنا بصحاف اللحم في أوقات مختلفة . واشتريت بريال ذرة لحمارى وبعض التبغ . يضاف إلى هذا أربعة ريالات أديتها لمك بربر ، وثلاثة لرئيس القافلة - وكان من حقه أن يقتضينى خمسة - وخمسة لنقل بضاعتى ، وأربعة لنقل قربى في الصحراء . وكان في جسامة هذا المبلغ بالقياس إلى مواردى إذ ذاك ما جعلني أتوجس خيفة من المستقبل .